“كورونا” وبورصات العالم

يوم 15 سبتمبر من عام 2008 كان يوم سقوط بنك ليمان براذرز، أو يوم الإعلان رسمياً عن ولوج العالم أزمة مالية كبرى، كانت مؤشراتها الأولية سابقة لإعلانها بنحو 18 شهراً، وكانت أزمة لم يشهد حجمها العالم منذ أزمة عام 1929. وكان أداء مؤشرات بورصات العالم الرئيسية كما يعرض لها الرسم البياني رقم (1)، واستمر التذبذب الحاد لتلك المؤشرات مع اتجاه نزولي وكبير حتى نهاية عام 2008. ومع ظهور بوادر احتمال تحول “كورونا” إلى وباء عالمي بعد انتقاله من الصين إلى إيران وكوريا الجنوبية وإيطاليا في أوروبا ثم دول أخرى بدرجات متفاوتة، حدث هبوط حاد في مؤشرات بورصات العالم الرئيسية في الأسبوع المنتهي بتاريخ 28/02/2020 فقد معه كلاً من “داو جونز” الأمريكي و”داكس” الألماني نحو 12.4% من قيمتيهما في أسبوع واحد، ولم يكن حال المؤشرات الأخرى أفضل كثيراً كما يعرض لها الرسم البياني رقم (2). في الحالتين، تشابهت ردود فعل مؤشرات بورصات العالم الرئيسية على المدى القصير، ما لا نعرفه هو مسار تلك المؤشرات بعد أزمة “كورونا” على المدى المتوسط إلى الطويل وإن كنا نرجح مسار مختلف، أي أن ذلك المسار الهبوطي قد يتوقف بعد عملية تصحيح مستحق لأسعار الأسهم، وإن استمر التذبذب الحاد إلى الأدنى وإلى الأعلى.

في عام 2008، كانت الأزمة أكبر بكثير لأنها بدأت من المرحلة الثانية للأزمات، أي بدأت من القطاع المالي، وكانت إصابة أسعار الأصول تحصيل حاصل، وكان القلق يومها ليس انتقالها إلى المرحلة الثالثة أي إصابة أداء الاقتصاد العالمي، وإنما حول درجة تلك الإصابة. ورغم ضخامة الأزمة يومها مقارنة بأزمة “كورونا”، إلا أن قيادات العالم، وتحديداً سلطاته النقدية، كانت مشبعة بأدبيات أزمة عام 1929، بنتائجها وخطاياها، واستخدمت أدوات السياسة النقدية والمالية بكفاءة وبدعم من قيادات سياسية كانت متجانسة. أزمة “كورونا” الحالية أصغر بكثير، ولكنها حدثت في توقيت سيء، فيه إنهاك كبير لأدوات السياسة النقدية ومواردها، وفيها عجوزات مالية ضخمة مصاحبة لارتفاع قياسي لديون العالم السيادية والخاصة -255 تريليون دولار أمريكي-. وفيها أسعار أصول مالية -أسهم- مرتفعة ارتفاعاً قياسياً وممولة بقروض رخيصة، وفيها قيادات سياسية متناحرة حتى وقت قريب.

لذلك، كانت تداعيات أزمة “كورونا” على المدى القصير على الأقل، كبيرة، بما لا يتناسب مع حجمها لأنها أصابت العالم وهو فاقد للكثير من مناعته ووسائل علاجه، ولذلك من غير المعلوم إلى أين ينتهي مآل الأزمة وما إذا كانت سوف تتوقف عند تصحيح جوهري وربما صحي لأسعار الأصول وهو المرجح، ولكن من دون استبعاد أنها قد تدخل إلى مرحلتها الثانية، أي نقل الأزمة إلى القطاع المالي. وخلافاً لأزمة عام 2008، لن تتولى السلطات النقدية القيادة المطلقة لمواجهة الأزمة، فأدواتها ومواردها لم تعد تسمح بذلك، من يمكن أن يساهم بجهد مؤثر للحد من الهلع، هي جهود صحية طبية لإيجاد علاجات وحلول تحد من فرص تحولها إلى وباء عالمي، وإدارات سياسية حصيفة قادرة على قيادة الحملة الإعلامية بنشر المعلومات الحقيقية وتقدم سبل الاحتواء والعلاج. وهناك مؤشرات عن جهود تبذل في الاتجاهين، فالطب يعمل جاهداً وربما تنجح بعض اكتشافاته وإن احتاجت لبعض الوقت، وهناك قلق سياسي من تكاليف انتقال الأزمة إلى المرحلة الثانية والثالثة. وذلك القلق قد يدفع بقيادات أكبر اقتصادين في العالم للتعاون مرة أخرى لمواجهتها، فالورقة الرابحة الرئيسية لدى الرئيس الأمريكي في انتخابات نوفمبر القادمة، هي استمرار رواج اقتصاده، وسوف يبذل كل الممكن للحفاظ على معدلات نمو مرتفعة -2.1%-، ومعدل بطالة هو الأدنى -3.5%- منذ عقود من الزمن. والصين تبذل جهود كبيرة لاحتواء المرض وآثاره، فهي لا تحتمل خسارة في معدلات نموها المنخفضة أصلاً -5.6% لعام 2020-، كما أن تعطيل دورها مصنعاً سلعياً للعالم قد يضر بذلك الدور وبسمعتها على المدى الطويل. لذلك، نحن نرجح أن تنتهي الأزمة بحدود التصحيح الجوهري والمستحق لأسعار الأصول المالية -أسعار الأسهم-، وقد ينعكس ذلك سلباً على معدلات النمو للاقتصاد العالمي.