المؤسسة العامة للتأمينات الإجتماعية والعجز الإكتواري

تعتمد سلامة نظام  التأمين الاجتماعي على مراعاة دقيقة لأثر كل سياسة أو قرار مالي على توازن التدفقات المالية الداخلة والخارجة، في الحاضر، والأهم في المستقبل، وتزداد حساسية تلك السياسات والقرارات في الكويت، لأن توازن تلك الصناديق في الحاضر والمستقبل يعتمد بدرجة طاغية على أوضاع المالية العامة. وبينما تشمل مظلة التقاعد حالياً نحو 135 ألف مواطن، يبلغ عدد العاملين في الحكومة من المواطنين نحو 335 ألف عامل، يضاف إليهم نحو 100 ألف مواطن عامل في القطاع الخاص، ويبلغ عدد المرشحين إلى سوق العمل من المواطنين حتى عام 2035 نحو 420 ألف مواطن، ومن هم خارج المظلة حالياً، هم مستقبل متطلبات وإستقرار النظام.

وتوازن صناديق التقاعد يعني ضرورة قدرتها على زيادة تدفقاتها المالية الداخلة لتتمكن على الدوام من ملاقاة إحتياجات الزيادة لتدفقات العمالة إلى مظلة التقاعد، مع إحتمال ارتفاع تعويض المتقاعد بين فترة وأخرى كلما ارتفعت معدلات التضخم. وضبط التوازن في جانب التدفقات المالية الداخلة يأتي من مصدرين، الأول، هو إشتراكات العاملين ومعظم مصدرها في الكويت المالية العامة وليس دخل من نشاط اقتصادي مستدام، والثاني، هو دخل استثمارات صناديقها والذي لا يفترض أن يقل عن معدل 6% سنوياً. وضبط التوازن في جانب التدفقات الخارجة، يأتي من الحرص على العدالة بين الأجيال، بمعنى أن لا ينحاز التعويض لصالح جيل لأن لديه سلطة إتخاذ قرار بما يسبب عجز يدفع ثمنه باهظاً متقاعدوا المستقبل. 

ونظام التأمينات الحالي في الكويت مصاب من أكثر من مصدر، فالمالية العامة منهكة بسبب سوء إدارة الجيل الحالي لها، ودخل استثمارات صناديق التأمينات ضعيف بلغ 5.68% للسنة المالية 2017/2018، وهبط إلى 3.97% للسنة المالية 2018/2019، إلى جانب فسادها الضخم في الماضي القريب. ولعقاب مسؤولي الحكومة ومسؤولي التأمينات على ذلك الأداء، إنفلتت سياسات شعبوية لشراء الود السياسي لمتقاعدي الجيل الحالي بما يبيع إستقرار وأمان كل متقاعدي المستقبل، وسيكون ذلك العقاب قاس وسريع لهم، إن لم يصلح حال المالية العامة.

آخر تقرير حول حجم العجز الإكتواري والذي قدم الأسبوع قبل الفائت والمعد من قبل جهة مستقلة، قدر حجم ذلك العجز بنحو 17.4 مليار دينار كويتي، أو نحو 11% من قيمة إحتياطي الأجيال القادمة، ولعل ما هو صادم، كان تلك الطفرة في حجم ذلك العجز البالغة نحو 90%، أو 8 مليار دينار كويتي، وفي ثلاث سنوات فقط. وحال المصدر الرديف أو الداعم، أي المالية العامة، ليس أفضل بعد إصابة أسعار النفط بما يفترض بأنه وهن دائم، ولأول مرة منذ ربع قرن تقريباً، يصدر الحساب الختامي للسنة المالية 2018/2019 بمصروفات فعلية أعلى بنحو 13.5% عن السنة المالية السابقة لها. ولمجرد التحذير، حتى وإن كان من المستحيل تحققه على أرض الواقع، لو حققت السنوات الثلاث القادمة زيادة في العجز الإكتواري مماثلة لما تحقق في السنوات المالية الثلاث الفائتة، أي 90%، سوف يبلغ العجز الإكتواري 33 مليار دينار كويتي. ولو إستمر نمو النفقات العامة الفعلية بنفس نسبة ارتفاعها في الحساب الختامي للسنة المالية الفائتة، سوف تبلغ النفقات العامة بعد ثلاث سنوات نحو 33 مليار دينار كويتي. ذلك فقط مؤشر على كوارث المستقبل المحتملة، وذلك ليس تآمر من أحد، وإنما صناعة مؤسسية محلية، أبطالها جناحي الإدارة العامة، التنفيذي والتشريعي. 

المؤسسات في نهاية المطاف لا يصنعها ويحقق أهدافها مبنى وهيكل تنظيمي وموازنة، وإنما يصنعها بشر مخلصين لوطن باقي بعدهم، تحكم سياساتهم أهداف عامة نبيلة. ما صنع من المؤسسة العامة للتأمينات الإجتماعية في الماضي مثال يحتذى، ليس ضخامة المكونات الثلاثة الأولى، أي مبنى وهيكل تنظيمي وموازنة، وإنما تلك النوعية المميزة من البشر التي أسستها وحكمت نظمها وقيمها، رحم الله “حمد الجوعان” و”مشاري العصيمي”، كم نفتقدهما.