الربا والنمو الاقتصادي

هناك خلاف مشروع ومفيد حول تعريف الربا، طرفه الأول جمهور علماء الشريعة الإسلامية الذين ينظرون إلى الفائدة على أنها ربا بالمطلق، وطرفه الثاني اقتصاديون يحررون الفائدة حتى مستوى معين من الربا، وتحريرها مرتبط بعوامل ومتغيرات الاقتصاد الكلي. ومبرر تناول الموضوع في هذا التوقيت في تقريرنا هو تلك الزوبعة التي أثيرت حول الإكتتاب في أسهم شركة “شمال الزور الأولى” وشركة “بورصة الكويت”، ورأينا أنه من الأفضل إبداء رأي بعد هدوء الخواطر التي أثارتها، فالأصل هو البحث عن المخارج وليس الإصطفاف العاطفي. 

من وجهة نظر إقتصادية، الفائدة بالمطلق ليست ربا لإختلاف البيئة والغرض في زمن تحريمها عن زمننا الحاضر، وهناك عوامل لابد من أخذها في الإعتبار عند الحكم على حد الفائدة الأقصى، قبل تحولها إلى ربا، فإلى جانب ضرورة قياس المنافع والتكاليف الناتجة عن توظيف الأموال وهي الفاصل ما بين التحريم والإباحة لابد من النظر إلى عوامل قياس أخرى. فالنقود في زمننا الحاضر هي وسيط للتبادل، وقيمتها تتأثر بالتضخم الذي يطال السلع والخدمات التي تسعر بها، فإن إقترض فرداً 100 دينار كويتي من فرد آخر لمدة سنة، وإستعادة 100 دينار كويتي عند إنقضائها، والـ 100 دينار كويتي بعد سنة لا تشتري سوى 95% مما كانت تشتريه عند إقراضها. يصبح المقترض قد تقاضى فائدة هي بحكم الربا، وعليه، فالتضخم عامل يحدد مستوى الفائدة من دون ربا سالب، بينما في القديم كانت المعادن بالمعادن والغلات بالغلات. وهناك أيضاً عامل المنافسة، فإن أصبحت بيوت الإقراض كثيرة، تحكمها رقابة، فهي لا تستطيع فرض إرادتها أو مستوى فائدتها على المقترض، ولكي تستمر، لا تستطيع سوى فرض تكلفة الأموال عليهـا، أو العائد الذي تمنحه للمودع والقريب من معدلات التضخم، زائداً تكلفة إدارتها وهامش ربح معلوم لمساهميها. 

ويبقى الأهم، وهو علاقة الفائدة بالنمو الاقتصادي، وتمويل النمو الاقتصادي يتطلب حشد الأموال من الداخل والخارج لتمويل مشروعات التنمية، وكلما ارتفعت معدلات النمو كلما عنى ذلك خلق فرص العمل والحفاظ على المجتمع من شرور البطالة. والأموال تتبع العائد التنافسي في أي مكان في العالم، مشروطاً بإستقرار وإزدهار البلد، وتحقق تلك المنافع يجعل حدود الفائدة المباحة مرنة، لأن الضرر من عدم المنافسة عليها أكبر بكثير من دفع تكلفتها، وهو تعرض البلد لمخاطر سياسية وإجتماعية. ويشير تقرير حديث لوضع الاقتصاد العالمي الإسلامي 2019/2020″State of the Global Islamic Economy Report”، إلى أن حجم سوق السلع الإسلامية في عام 2018 بلغ نحو 2.2 تريليون دولار أمريكي، ومقدر له أنه يحقق نمو مركب بحدود 6.2% ليبلغ نحو 3.2 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2024، وأن حجم الأصول المالية الإسلامية بلغ في نفس العام 2.5 تريليون دولار أمريكي. كما يذكر التقرير بأن الاستثمار في شركات منتجات سلع وخدمات إسلامية بلغ 1.2 مليار دولار أمريكي في عام 2018 مرتفعاً بنحو 399%، نصيب شركات منتجات الحلال منها نحو 54%، ونحو 42% من شركات الخدمات المالية. وفي الحقلين السلعي والخدمي، لازال نصيب المنتج الإسلامي ضئيل ولا يتناسب مع نصيب المسلمين من سكان العالم أو اقتصاده. ومصدر معظم النمو في الإنتاج السلعي الإسلامي إما في دول غير إسلامية تنتج للمسلمين، أو دول إسلامية تأخذ بالتعريف المرن للربا، مثل ماليزيا وتركيا ودبي، ذلك يحجب الكثير من منافع النمو عن تلك الدول التي تأخذ بالتعريف الضيق للربا.

ورغم الإختلاف الجوهري بين نهج الديانتين، تشابهتا في تعريف مفهوم الربا، بشكل عام، والخلاف حول الربا بمعناه الضيق والمرن كان تجربة مرت فيها أوروبا في عصورها الوسطى إبان تخلفها عندما كانت الكنيسة مصدر معظم السلطات، حينها قاومت الكنيسة مبدأ نشوء الصيرفة التقليدية على يد عائلة “مديتشي” في فلورنسا المدينة الدولة في القرن الرابع عشر. فالوضع لديهم حينها كان مبرراً عندما كانت بنوك الطاولات -التخت- المنتشرة في الأسواق تجول بمندوبيها للبحث عن أشد الناس حاجة لتفرض عليه شروطها كما الحال في صدر الإسلام، وقدر مستوى الفائدة حينها في إحدى المدن البلجيكية “Bruges” بمعدل 43.5% ترتفع إلى 60% في مدن أوروبية أخرى. ولكن القرن الرابع عشر والخامس عشر ارتقى بتلك المصرفية إلى بنوك كبرى تتنافس عبر الحدود لتمويل مشروعات عصر النهضة الأوروبية. ولم يشفع ذلك النجاح الباهر، إذ إحتاج “كوسيمو مديتشي” أبرز شخوص العائلة المصرفية في آخر أيامه إلى طلب صك غفران من “البابا” يحرر روحه ويحميه من مصير محتوم في الدرك الأسفل لجهنم، وإشترط “البابا” لتطهيره قيامه ببناء مجمع كنسي ضخم، وكانت بداية تغير موقف الكنيسة، أي البحث عن مخارج وليس حكم قطعي.ما نعتقد أنه صحيح، هو أن يخضع مفهوم الربا لدينا لنقاش هادئ، بين فريق من علماء الشريعة الإسلامية وفريق إقتصادي، وليأخذ هذا النقاش وقته، ودون ضجيج، فهدف الفريقين ليس إنتصار أحدهما على الآخر، وإنما توحيد قوى العقل لما هو في مصلحة الكويت التي سوف تواجه قنبلة موقوتة وضخمة في سوق العمل لديها.