السياسة المالية

إنتهت السنة المالية 2018/2019، وبلغت المصروفات العامة الفعلية نحو 21.849 مليار دينار كويتي، أي أعلى بنحو 349 مليون دينار كويتي، قبل تعديل إعتمادات المصروفات، بالزيادة إلى نحو 22.773 مليار دينار كويتي. وهذا المستوى، أعلى بنحو 2.601 مليار دينار كويتي، أو بنحو 13.5% عن المصروفات الفعلية للسنة المالية السابقة لها 2017/2018، ومعها ولأول مرة اختفى الوفر الإعتيادي ما بين النفقات المقدرة والفعلية والبالغ معدلـــــــه 7.6% للسنـــــــوات الماليـــــــة 1993/1994-2017/2018. المؤشرات توحي بأن سياسات الإصلاح المالي ليست فقط حبراً على ورق، وإنما تؤكد بأن السياسة المالية تسير بإتجاه معاكس تماماً للإصلاح. ومع قرب بدء دور الإنعقاد الأخير لمجلس الأمه للفصل التشريعي الخامس عشر في أكتوبر القادم، بدأت الحكومة تعلن عن إستعدادها للتمادي في السير إلى مزيد من إنفلات السياسة المالية لمجرد ضمان إستمرارها أو إستمرار وزراء ضمنها، أي المضي قُدُماً في طريق اللاعودة لإمكانات الإصلاح والتهيئة لارتفاع البطالة السافرة الحتمية لصغار المواطنين. 

وفي الوقت الذي، يسود كل العالم توقعات بسيناريوهات اقتصادية متشائمة، فالعالم في أحسن الأحوال مقبل على حقبــة مــن النمـو المتباطـئ يقدره “صندوق النقد الدولي” -تقرير يوليو 2019- لعامي 2019 و2020 بنحو 3.2% و3.5% على التوالي ويخفضه مع كل تقرير جديد. ذلك كما ذكرنا هو أفضل السيناريوهات المتوقعة، بينما هناك سيناريوهات تتزايد فرص تحققها تراوح ما بين ترجيح إحتمالات ركود الإقتصاد العالمي، أي تعرضه لحقبة من النمو السالب المحدود رقماً وزمناً، ويذهب بعضها إلى ترجيح إحتمال كساد طويل الأجل، وهو ما لا نرجحه، تلك الرسالة لم تصل بعد إلى الكويت. 

تلك النظرة المتشائمة لمستقبل أداء الاقتصاد العالمي يدعمها إشتداد حدة الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم (الأمريكي والصيني)، ويدعمهما فوضى الإتحاد الأوروبي مع إحتمال الخروج البريطاني غير المنظم منه، ويدعمهما عودة الفيدرالي الأمريكي إلى خفض أسعار الفائدة قلقاً من ضعف النمو الاقتصادي، ويدعمها إستنفاذ أدوات السياسة النقدية في علاجات أزمة عام 2008، ويدعمها بلوغ الديون السيادية والخاصة في العالم لمستوى قياسي يعادل نحو 4 أضعاف حجم الإقتصاد العالمي في عام 2018، أو نحو 330 تريليون دولار أمريكي كما في نهاية عام 2018 وبزيادة بحدود الثلث عن مستواه في عام 2008 طبقا لـ “UNCTAD”. وحال إقليمنا وضمنه الكويت أكثر سوءاً، فإضافة إلى التأثير السلبي غير المباشر لكل العوامل السابقة، التوقعات تؤكد بأن مستقبل النمو الاقتصادي له سيكون الأضعف مقارنة بأقاليم العالم الأخرى، وأسعار النفط بنصف مستوى أسعار عام 2013، ولا يبدو مستقبلها واعد، والمنطقة بكاملها في فوضى صراعات وخلافات عالية التكلفة رغم شحة الموارد الحالية. 

ونكاد نجزم بأن بعضاً من الإدارة العامة للبلد يعرف تلك الحقائق وتداعياتها الضخمة، ويعرف أن إستدامة المالية العامة مع إستمرار نهجها الحالي، مستحيلة، وإن أكبر الضرر على البلد ناتج من السياسات المالية غير الحصيفة. ونعتقد أنها تعرف أن أفضل السياسات والقرارات هي الإستباقية لإجتناب المخاطر قبل حدوثها وليس تلك التي تتعامل لاحقاً مع تداعياتها، ورغم ذلك، لا ترتقي سياستها سوى إلى مستوى ردود الفعل، وفي الغالب الأعم، لا تنجح حتى تلك السياسات. كل إدارات العالم العامة قلقة حول المستقبل، لا إستثناءات لاقتصاد كبير أو صغير فيها، ما عدا الإدارة العامة الكويتية، تفكر وتقرر في إتجاه مختلف، ويبدو أنها غير.